يُطلق هذا المصطلح في اللغة ويراد به: السلف: جمع سالف وهو كل ما تقدمك من آبائك وذوي قرابتك في السن أو الفضل، وقالوا: إنه كل عمل صالح قدمته، والسلفي: هو كل مَن يرجع في الأحكام الشرعية إلى الكتاب والسنة ويهدر ما سواهما
واصطلاحًا: استمداد الإسلام من أصوله دون تعصب لما جد عبر التاريخ من نظريات ومفاهيم، فالأصل ما ورد في الكتاب والسنة.
وقد بين العلماء أن المراد بمصطلح السلف، تاريخيًا هم الصحابة والتابعون من أهل القرون الثلاثة الأولى، فأصبح مذهب السلف علمًا على ما كان عليه هؤلاء ومن تبعهم من الأئمة الأربعة وغيرهم، كسفيان الثوري وسفيان بن عيينة، والليث بن سعد، وعبدالله بن المبارك والبخاري ومسلم وسائر أصحاب السنن الذين اتبعوا طريقة الأوائل جيلاً بعد جيل.
ولقد استمر هذا المصطلح على سعته وحيويته، وشمل مختلف العلماء والدعاة والمصلحين من أهل السنة والجماعة على مختلف مراحل وفترات التاريخ الإسلامي بما فيها المرحلة الحاضرة.
يقول الإمام الشهيد "حسن البنا" في الأصل الثاني: "القرآن الكريم والسنة المطهرة، مرجع كل مسلم في تعرف أحكام الإسلام، ويفهم القرآن الكريم طبقًا لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف، ويرجع في فهم السنة إلى رجال الحديث الثقات".
وهذا الأصل فيه تأكيد على مصادر التلقي والمعرفة في الإسلام، ومن أين تُستقى أحكامه؟ وهو نفس مصطلح السلف الذي قدمناه في صدر هذا الفصل (استمد الإسلام من أصوله دون تعصب لما وجد عبر التاريخ من نظريات ومفاهيم فالأصل ما ورد في الكتاب والسنة.
وبهذا يتضح قول الإمام الشهيد: "وتستطيع أن تقول ولا حرج عليك، أن (الإخوان المسلمون) دعوة سلفية؛ لأنهم يدعون إلى العودة بالإسلام إلى معينه الصافي؛ كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم".
فـ(الإخوان المسلمون) سلفيون في عقيدتهم، ولا يعتمدون إلا المصادر الموثوقة الأمينة، وهي القرآن الكريم وسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم، وعمل السلف الصالح ويحرصون على تجاوز كل الموروثات التي تؤثر على صفاء عقيدة التوحيد، بعيدًا عن الفلسفة والجدل وعلم الكلام، والنظريات التي تُخاطب الذهن والجدل والعقل فقط، بدل أن تكون العقيدة واقعًا حيًا توجه الحياة، وتقود الإنسان إلى العمل الصالح والجهاد في سبيل الله، وهم يرون أن العقيدة لابد أن تعود إلى صفائها ونقائها، وأن يعود لها الدور الإيجابي في صنع الأبطال والرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وطاعته.
"البنا" مع مجموعة من إخوانه
جاء في رسالة المؤتمر الخامس
يعتقد (الإخوان المسلمون) أن أساس التعاليم الإسلامية ومعينها هو كتاب الله وسنة رسوله، اللذان إن تمسكت بهما الأمة فلن تضل أبدًا.
وإن كثيرًا من الآراء والعلوم التي اتصلت بالإسلام وتلونت بلونه تحمل لون العصور التي أوجدته، والشعوب التي عاصرتها، ولهذا يجب أن تستقي النظم الإسلامية التي يحمل عليها الأمة من هذا المعين الصافي، معين السهولة الأولى، وأن نقف عند هذه الحدود الربانية، حتى لا نُقيد أنفسنا بغير ما قيدنا الله به، ولا نلزم عصرنا لون عصر لا يتفق معه، والإسلام دين البشرية جميعًا.
توقير الصحابة
ومن صفات أهل هذه المدرسة:
- طهارة قلوبهم وعفة ألسنتهم، وسلامة صدورهم لأصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- وهذا المعنى أصل من أصول أهل السنة والجامعة، ومعلم كبير من معالمها، وعلامة بارزة على صدق أصحابها واتباعهم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر: 10).
وهم يطيعون رسولهم- صلى الله عليه وسلم- في الثناء عليهم والتزام قوله- صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
قال الإمام أحمد: لا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تجسيم أو تشبيه.
وانطلاقًا من فهم السلف الصالح لهذا الموضوع الشائك والخطير يقرر الإمام الشهيد في رسالة التعاليم هذا فيقول: وآيات الصفات وأحاديثها الصحيحة، وما يلحق بذلك من المتشابه، نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل، ولا نتعرض لما جاء فيها من خلاف بين العلماء، ويسعنا ما وسع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند رينا- ويقول رضي الله عنه في رسالة العقائد حول الأسماء والصفات الموهمة مماثلة الله بخلقه: "ونحن نعتقد أن رأي السلف: من السكوت، وتفويض علم هذه المعاني إلى الله تعالى أسلم وأولى بالاتباع، حسمًا لمادة التأويل والتعطيل".
إن مصطلح السلف يعتبر مدرسة متميزة في فهم الإسلام بكليته وشموله وأصالته وبعده عن التعقيد، ولذلك يوصف به ويصدق على أي عالم ملتزم أو جماعة ملتزمة في أي زمان ومكان، كما يعتبر منهجًا متفردًا له قواعده، التي تُقاس إليها أفكار وآراء العلماء على اختلاف الزمان والمكان، فإذا ما وافقت الأفكار هذه القواعد اعتبر أصحابها سلفيين.
وقد يستغرب البعض ممن ينصب نفسه محاميًا عن السلف بل يعتبر نفسه الوارث الوحيد لهم من هذه الحقائق ويزعم أن فيها مغالاة.
ونحن نحاول في قولنا أن نوضح فقط المراد من هذا المصطلح، ونرفض القيود التي يضعها البعض حوله، وننفي عنه تلك المفاهيم الغربية عليه، ونقصد بما نقول أن نصفي من هذا الغبن الذي لحق به، حتى لا يستغل في يد أي انسان سيفًا يشهره في وجه من يختلف معه في أي موقف من المواقف وفي فهم أي قضية من القضايا، فسرعان ما تصدر الأحكام بشأن المخالف ورميه باتباع الهوى، أو التصميم على البدع، أو الزيغ وابتغاء الفتنة، أو الضلال، أو الكفر، كل هذا من غير تبين أو سؤال أو استفسار يجب أن تنتهي قصة استغلال هذا المصطلح كوثيقة لإدانة العلماء والعاملين للإسلام، والملتزمين منهج الإسلام والقرآن وسنة المصطفى- صلى الله عليه وسلم- والمطالبين بتطبيق شرع الله كاملاً.
إن مصطلح السلفية أُسيء فهمه، وأسيء استغلاله وأسيء استخدامه، من البعض للأسف الشديد، خاصةً العصر الحاضر؛ حيث يدعي البعض أنه الوارث الوحيد للسلف، ومن ثم لا سلفي سواه، وقد يضيق هذا المفهوم عند التطبيق عند هذا البعض، فيجعله قاصرًا على مسائل وقضايا جزئية خلافية، أو يجعله لا ينطبق إلا على دعاتها الصادقين العاملين للإسلام في كل أقطار الأرض فهم في زعمهم مبتدعون مهما رسخ قدمهم في هذا الدين.
ونستطيع أن نقول: أن دعوة (الإخوان المسلمون) تتميز بالحرص التام على تربية أفرادها على منهج السلف فكرًا وعقيدة، وتطبيقًا ومنهجًا.
فالأصل الأول عندهم القرآن الكريم، وشعارهم الدائم القرآن دستورنا فهم يستقبلونه كما كان رسول الله يفعل.
ولقد كان صحابة النبي- صلى الله عليه وسلم- يعيشون القرآن، وكان الرسول يربيهم على ذلك، فكانوا أهل القرآن قراءةً وحفظًا وتدبرًا وعملاً، وكانوا يقرأون القرآن بقلوب مفتوحة، وحواس حاضرة، لتلقي أمر الله لتبنى به حياتها وواقعها على أساسه، ثم تهدم ما عدا ذلك من الموروثات والجاهليات، وكانوا يؤمنون بالكتاب كله، ويدعون الناس إلى الإسلام الشامل، وكانوا يقرأون القرآن بقلوب وجلة، مستحضرين عظمة الله الخالق جل وعلا، وهو يخاطبهم، فلا عجبَ أن تخشع قلوبهم وتدمع عيونهم، وكان القرآن حياة لملكات قلوبهم، وكان بهجتها ونورها، وميزانهم الدقيق لكل ما حولهم، ولقد كانوا يتلونه آناء الليل وأطراف النهار، ويتشبثون به تشبث الغريق المشرف على الغرق بطوق النجاة، فكان القرآن العظيم ربيع قلوبهم ونور أبصارهم ومحور حياتهم ومقصد أمرهم، ولا عجبَ في ذلك فهو مفتاح الخير في الدنيا وهو سبيل الفلاح في الآخرة.
الأصل الثاني هو الاتباع الكامل والاقتداء التام برسولهم- صلى الله عليه وسلم- وكانوا يعتبرون قوله وفعله وتقريره حكمًا شرعيًا لا يختلف في ذلك واحد منهم، ولا يجيز أحدهم لنفسه أن يخالف أمر القرآن، أو أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لقد بلغ امتثالهم أمر النبي- صلى الله عليه وسلم- أن فعلوا ذلك حتى في شئون الدنيا.
عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه جاء يوم الجمعة والنبي يخطب فسمعه يقول اجلسوا فجلس بباب المسجد أي حيث سمع النبي يقول ذلك، فرآه النبي- صلى الله عليه وسلم، فقال له: "تعالَ يا عبدالله ابن مسعود".
كما بلغ من اقتدائهم به- صلى الله عليه وسلم- أن كانوا يفعلون ما يفعل ويتركون ما يترك، دون أن يعلموا لذلك سببًا، أو يسألوه عن علته، فعن عبدالله ابن عمر رضي الله عنهما قال: اتخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خاتمًا من ذهب قبل تحريم الذهب فاتخذ الناس خواتيم من ذهب ثم نبذه النبي- صلى الله عليه وسلم- وقال: "إني لن ألبسه أبدًا فنبذ الناس خواتيمهم".
وقال- صلى الله عليه وسلم- في خطبة الوداع: "إن الشيطان يئس أن يعبد بأرضكم، ولكن رضي أن يُطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم فاحذروا، إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا؛ كتاب الله وسنة نبيه".
هذه الصورة التي ذكرناها موجزة لموقف الصحابة وأخذهم للإسلام، لم يخل جيل من الأجيال من رجال على هذا النهج وفوق هذا الدرب، يقتدي بهم، ويتعلم على أيديهم، فيرتفع الناس وتعلوا هممهم، والجميع متبع وملتمس من رسول الله- صلى الله عليه وسلم.
والذي نؤكده مرة أخرى أن كل من اتصف بهذه الصفات في أي مكان من القارات الخمس فهو سلفي على المنهج الصحيح، وهو من الفرقة الناجية إن شاء الله، وهو من أهل السنة والجماعة، وليس من حق مخلوق أيًّا كان أن يعترض عليه، أو يضيق واسعًا؛لأنه لا يملك ذلك.